بقلم: جاك المؤمن بالقدر

عن الوحدة

- لم استطع طوال حياتي أن أتجاوز فكرة أن (البشرية) مبالغٌ في تقديرها.
= لا أفهم .. تعني أن الجنس البشري مبالغ في تقدير نفسه؟
- ووجوده .. نعم .. لا أفهم هذا الاحتفاء - المتفق عليه اجماعا - بأنفسنا .. تأمل الفكرة لو سمحت .. إنها فكرة فاشية.
= فاشية ضد من؟ نحن الجنس الوحيد في الكون الذي يفهم معنى كلمة (فاشية) من الأساس .. لا يمكن أن تُتهم بالتحيز لفكرة لا يوجد نقيض لها أصلا.
- وهل توجد فكرة ليس لها نقيض أصلا؟ أنت سمعت ب(هيجل) بالتأكيد.
= لا أدري .. كنت أحاول أن أضرب مثالا .. وربما لم يكن موفقا .. لكنك فهمتني بالتأكيد.
- نعم فهمتك .. وأفهم أنك لا تبرر استبدادنا على الأجناس الأخرى أو حِسّنا بالاستحقاق لموارد الكوكب أو أي شيء من هذا القبيل.
= نعم.
- لكن الفاشية ليست بالضرورة ضد (آخر) .. يبدو لي أن جوهر الفاشية هو توجه (للداخل) .. نزعة للانغلاق .. بعبارة أخرى تمسك طفولي بالأنا.
= رغبة في تبرير النفس للنفس؟
- نعم .. ورغبة في تجاوز الرغبة في تبرير النفس .. أو التحايل على هذه الرغبة.
= وهي رغبة في حد ذاتها غير مبررة؟
- ليس هذا اعتراضي .. الرغبة في حد ذاتها لا تحتاج لتبرير .. تتذكر عبارة شوبنهاور الحاسمة (بوسع المرء ألا يسعى لما يريده ولكن ليس بوسعه ألا يريد ما يريده) .. بل بالعكس جزء من هذه النزعة الفاشية وسيطرتها علينا ناتج من تعقيد هذه الرغبة .. الرغبة في تبرير الذات .. والرغبة في تبرير هذه الرغبة .. لا تسيء فهمي .. ليس اعتراضي متعلقا فقط بالاحتفاء (بنا) بل يتطرق إلي الشك بشأن وجود (نا) الجماعة هذه مبدئيا.
= هذا اعتراض ميتافيزيقي الطابع.
- أسأت فهمي من حيث لم اتوقع إذاً.
= (يضحك) .. معذرةً .. هو اعتراض .... ماذا؟
- يمكن أن نقول سايكولوجي الطابع.
= كيف؟
- اعتقد أن تصورنا عن المجموع البشري هو تصور مخاتل .. بل وأضيف .. لا يخلو من نفاق .. كذبة متفق على تصديقها ومتفق على الإبقاء عليها .. لا أتصور أن أياً منا داخل أسوار عقله يعطي فكرة (الجماعة) هذا الوزن .. في الواقع نحمل لها هذا التقدير ولكن ليس كما نتخيل، بل بالعكس .. فكرة (الجماعة) لا تلوح لنا (كأفراد) بديهةً بشكل إيجابي بل بشكل سلبي للغاية.
= تريد أن تقول أن حِس كل منا بالجماعة يعطي أولوية للخوف من الجماعة لا الاحتفاء بها.
- في أغلب الأحيان نعم .. فكرة الجماعة لا تبدو كصمام أمان إلا لمتجول وحيد في شارع مظلم ليلاً .. لكنك تلاحظ كيف نكره الزحام عادة.
= لكننا نحب الحفلات .. المهرجانات .. هذا نوع من الزحام (المتعمد) .. زحام نرغب فيه لدرجة أننا نصنعه صنعاً.
- أنت محق في هذه النقطة .. ليس لدي رد عليها.
= لكنك تريد أن تقول أيضا أن الخوف من الجماعة .. من رد فعل الجماعة والرغبة في التقبل منها هو دافع بشري أصيل.
- نعم .. وهذا يشرح الموضة .. الهوس بالشهرة.
= والأخلاق في المقام الأول.
- نعم والأخلاق في المقام الأول.
= لا أملك إلا أن اتفق.
- انتقلنا في غير ما سلاسة من محاولة البشرية لتبرير نفسها ككل لمحاولة الفرد لتبرير نفسه للبشرية.
= حسبت أنك لا تجد فارقاً.
- وأنا فعلا لا أجد فارقاً .. بل اتصور الأولى كخاصية منبثقة emergent property من الثانية.
= وأنت تجد كلتاهما بلا جدوى.
- ليس فقط من ناحية (غائية) كما أسلفت .. ليس فقط أن هذه الرغبة لا سبيل لتحقيقها وإنما لأن موضوعها غير موجود أصلا.
= مسمى (البشرية).
- نعم .. الجمهور المتخيل الذي يعرض عليه الفرد صورته الأدائية في انتظار التصفيق.
= وينتهي العرض أو تخور قوى الممثل ثم يتفاجأ بالصمت المطبق .. أين التصفيق؟
- نعم.
= ولا يأتي التصفيق ليس لأن العرض لم يَرُق للجمهور ولكن لأن الجمهور لم يرعِ العرض انتباهه.
- لا .. بل لأن القاعة خاوية تماماً.
= حسبتك قلت أن اعتراضك ليس ميتافيزيقياً.
- ربما هو (مثالي) .. كأنني أريد أن أقول أن العدد مائة لا وجود له بل هناك مائة (واحد).
= ما الفارق؟!
- الفارق تصنعه أنت .. نحن بالأحرى .. الفارق (وضعي).
= ولكن أنا أصلا من أَعُد .. أنا من أعطى القيمة لواحد أو مئة.
- بالضبط.
= أنا لا أفهمك البتة .. بهذا المنطق ف(الواحد) لا وجود له .. مثل (المائة) تماماً.
- لكنك تنسى أننا هنا لا نعُد أغراضاً items في الطبيعة .. نحن نُعد أنفسنا .. وأنت تُعد مجموعة من (مائة) شخص تصادف وجودك معها ليس بوسعك ألا تعد نفسك .. أنت تلقائياً عددت نفسك في مقدمتها.
= ولا عزاء لهبنّقة.
- نعم .. ولكن لماذا قررت أنها مجموعة من (مائة) شخص؟ لماذا ليست مجموعتين كل منهما من (خمسين) شخصاً؟
= ولماذا أعد نفسي ك(واحد) أيضاً .. فرويد يمكن أن يحاجج أنني ثالث ثلاثة؟
- أنت سمعت ب(ديكارت) كما سمعت ب(هيجل) أليس كذلك؟
= تعني أنني لا يمكن أن أثق بوجود إلا هذا (الواحد) الذي هو (أنا).
- لحدٍ ما .. وهو بالمناسبة ليس ثالث ثلاثة بل (مجموع) ثلاثة.
= (يضحك) ها قد عادت كلمة (مجموع) التي تبغضها.
- (يضحك) نعم .. ربما انحرفت بفكرتي لمدى متعصب لا أعنيه .. ما أقصده ببساطة أن
التعريف لمسمى مجموع بشري هو دالة مفرغة من المدلول.
= ككومة من الأحجار لا يجمع بينها إلا أنها أحجار؟
- وكهشيم تذروه الرياح.
= ولا اللغة تمنحنا أفضلية على تكوم الاحجار العقيم؟
- هل اللغة بهذه الفصاحة؟ في رأيي أن احتفاءنا بأنفسنا كمجموع واستغراقنا الأدائي كأفراد أمام هذا المجموع المتخيل هو نتيجة مباشرة لثقة - في غير محلها - باللغة.
= هذا قصور وليس عجزاً .. حتى ولو لم تكن اللغة بهذه الفصاحة فهي ليست بهذا العقم .. تلاحظ أننا الآن (نتكلم) أليس كذلك؟
- نعم .. لكنني لم أنفِ مطلقاً الحوجة للكلام ولا جدواه .. أنا أنفي أن له الجدوى التي نحسبها له.
= وهي؟
- التي يحققها أم التي نعتقدها؟
= التي يحققها.
- هي حوجة قسرية .. وهي ذات حدين .. هرب من الداخل خوفاً من الوحدة .. وهرب إلى الخارج رغبةً في التقبل .. تثبيت فموي هستيري .. بالنسبة لي كل الكلام هو نوع من الصراخ .. لا فارق بينهما .. لأن كليهما انعكاس للذعر.
- يا لثارات إدفارد مونش (يضحك).
يصمتان ..

Comments

Popular posts from this blog