بقلم : جاك المؤمن بالقدر


شاعر بريطاني مغمور من القرن التاسع عشر كتب أن "كل رجل جزيرة معزولة"، فتجنشتاين حاجج بإلحاح أنه حتى لو تكلم أسد بلغة البشر فلن يفهموه
من بين كل حاجاتنا الغريزية الأولية تلوح الحوجة للفهم كأكثرها شاعرية وأقصاها استحالة، الحوجة لأن تُفهَم قبل أن تَفهم
من بعيد قد يبدو المسعى البشري المشترك كمحاولة جبارة تنتظم كل التاريخ لأجل فهم العالم، وببعض التمعن يمكن أن نرى أن كل هذا الهوس بمحاولة فهم العالم هو في الواقع استماتة لأن يفهمنا العالم، نحاول أن نفك شفرة اللغة المستعصية التي يتكلم بها كي نفهمه ومن ثم كي نخاطبه لأجل أن يفهمنا
فهم الآخرين لنا يبررنا، يجعلنا نعتقد (أو نتوهم) أننا على تماس مع شيء حقيقي وملموس .. ولنطلق عليه تجاوزا - على سبيل (التفاهم) - المعنى
المعنى هو أعز أوهامنا على قلوبنا، وأكثر ما نستميت للدفاع عنه رغم معرفتنا المستبطنة التامة والأليمة بأنه قد مات .. ونحن من قتلناه
وهو المصير القاتم الذي حذر منه طاغور في قصيدة نائية وشبه منسية عن حبنا الطاغي لوردة والذي يدفعنا دفعا لقطفها .. لقتلها
ينبهنا كافكا لأن موضوعة الكيخوته الحقيقية هي حوجة الدون الحراقة والملحة لأن يجد ولو شخصا واحدا .. واحدا فقط .. يفهمه ويبرر جنونه، يقلب العالم رأسا على عقب كي يجد الفهم.
كافكا نفسه المتهرب من حوجته للفهم عن طريق الاستغلاق والغموض والتنائي، وربما لهذا تفرد وحده بالتقاط هذا الملمح
لو أن مريخيا هبط علينا من السماء فلا اتوقع أن يثير حيرته أي سلوك كبشري أكثر من (الونسة
لا الحرب .. ولا الجنس .. ولا النوم .. ولا موقف جاكسون .. بل الونسة.
أن يجتمع رهط من البشر لا لشيء إلا لأن يتكلموا .. لا لأن هناك ما ينبغي أن يقال .. بل لأن (القول) نفسه ينبغي أن يحدث.
الصداقة .. الحب .. الزواج .....
ما الذي يخيفنا في الوحدة لهذه الدرجة كي نتمسك بأي خيط واه متوهم من شبح (فهم) بعيد الغور .. متفلت .. وربما غير موجود؟
ربما هذا هو جوهر النضج .. اليأس من (الفهم) .. التنازل عنه .. وتقبل فكرة أنك طوال حياتك كنت وحيدا .. حتى تحت غلالة (الفهم) المتوهمة .. وعملة اللغة الزائفة .. وبساط الأنس السحري المتخيل .. وأكوام المجاملات والتزلف والسياسة والكتابة وكسر الحنك.
حتى مع هذه الأوهام كنت وحيدا .. لم تشف لك غليلا .. ولا أرضا قطعت .. ولا ظهرا أبقيت.
من غيرها لن تكون الوحدة أوحش ..
وبها .. ومن غيرها .. ستظل .. وحيدا

ان اردنا ان نفهم هذه الحوجة للفهم فلن يعوزنا منظور نسترق منه النظر ..
تحدثنا البيولوجيا عن بيئة عاتية وكون معاد ومفترسات متربصة وأوبئة مغتالة في فجر وجودنا هنا .. وجودنا معا كان شرطا للبقاء .. ضرورة لا رفاهية .. ضرورة أملت نفسها واستطال أمدها حتى بعد أن غدت رفاهية .. بعد أن طوعنا الكون المعادي والبيئة الغادرة ودجنا المفترسات والأمراض .. ضرورة طبعت نفسها على عقولنا لدرجة أن عقولنا لم يعد بوسعها الانفلات منها .. اصبحنا نفكر (باللغة).
لهيرونيموس بوش رسام عصر النهضة غريب الأطوار لوحة عن (سقوط ايكاروس).
تقول الاسطورة اليونانية القديمة ان ايكاروس ووالده صنعا اجنحة من ريش الطيور والصقاها بالشمع وارتقيا قمة احد الجبال وحلقا منها .. ايكاروس المتهور كان يحلق مرتفعا بلا تريث ووالده كان يصيح به محذرا من الاقتراب من الشمس لئلا تذيب الشمع ولكنه لم يكن يصغي .. ثم وقع القدر المحتوم .. اقترب ايكاروس من الشمس اكثر مما ينبغي وذاب الشمع وسقط ولقي مصيرا سيعرفه من بعده بقرون عربي متهور آخر.
الأسطورة تُحكى كأمثولة .. عن المعرفة الزائدة عن حدها التي تدمر صاحبها .. أو كتنويع على أشخوصة إبليس .. الكبرياء المفضي للهلاك.
إلا أن هيرونيموس بوش نحى بها منحىً آخر .. اللوحة تصور لحظة سقوط ايكاروس في البحر .. وآلان تخيل أنني أخبرتك بذلك وعرضت عليك اللوحة .. ماذا تتوقع أن ترى؟
تنظر .. تدقق .. ترى فلاحا يحرث حقله .. راعيا يسوق خرافه .. سفنا تمخر البحر .. مدنا مزدهرة تبدو على الضفة الأخرى .. سماء صافية .. طبيعة ساكنة .. وكل شيء يسير على الهوى كدقات ساعة منتظمة.
ولو لم أشر لك لعمق الكادر .. لطرف خفي ضئيل يظهر ساقي رجل يصارع الغرق فلربما لن تتنبه له أبدا.
موضوع اللوحة نفسه ينال اصغر جزء فيها ..
ما الذي يريد أن يقوله هيرونيموس بوش؟
يريد أن يقول أن الأسطورة الداوية والمأساة الملحمية لم تغير من الواقع شيئا .. عادت الطيور لأصواتها .. والرمال لذراتها .. والنجوم لميقاتها .. حتى ولو لم (يعد القتيل لطفلته الناظرة) .. حتى ولو بالنسبة له (كل شيء تحطم في لحظة عابرة).
لم ولن يلتفت أحد لسقوط غيره بالقدر الذي يتخيله (يتمناه) الساقط.
ربما لهذا تخيف

Comments

Popular posts from this blog